ابن عربي
380
مجموعه رسائل ابن عربي
سواهم ، متحيرون بما خوطبوا به . وبما ألهموا به ، وبما ألقي إليهم أو كتب . فقد تقرر عند جميع المحققين الذين سلموا الخبر لقائله ، ولم ينظروا ، ولا شبهوا ، ولا عطلوا ، والمحققين الذين بحثوا واجتهدوا على طبقاتهم أيضا ، والمحققين الذين خوطبوا وألهموا : أن الحق تعالى لا تدخل عليه تلك الأدوات المقيدة بالتحديد والتشبيه ، على حد ما تفعله في المحدثات ، ولكن تدخل عليه بما فيها من معنى التنزيه والتقديس . وبقي التجسيم والتشبيه على طبقات العلماء والمحققين ، في ذلك لما فيه ، وتقتضيه ذاته من التنزيه ونفي التعطيل والتشبيه . وإذا تقرر هذا ، فقد تبيّن أنها أدوات التوصيل إلى افهام المخاطبين ، وكل عالم على حسب فهمه فيها وقوة تقريره وبصيرته . فعقيدة التكليف هينة الخطب ، نظر العالم عليها « * » ولو بقيت الشبهة مع ما فطرت عليه ، ما كفرت ولا جسمت ، وإن كان ما أرادوا التجسيم ، وإنما قصدوا إثبات الوجود ، لكن لقصور أفهامهم ما ثبت لهم إلّا بهذا التحيل ، فلهم النجاة . وإذ قد ثبت هذا عند المحققين - مع تفاضل رتبهم في درج التحقيق - فلنقل : أن الحقائق أعطت - لمن وقف عليها - أن لا يتقيد وجود الحق مع وجود العالم بقبلية ولا معية ، ولا بعدية زمانية ، فإن التقدم الزماني والمكاني في حق اللّه تعالى ترمي به الحقائق في وجه القائل به على التحديد . إن قال به من باب التوصل ، كما قال الرسول ونطق به الكتاب ، إذ ليس كل أحد يقوى على كشف هذه الحقائق ، فلم يبق لنا إلّا أن نقول : إلّا أن الحق موجود بذاته لذاته ، مطلق الوجود ، غير مقيد بغيره ، ولا معلول عن شيء ، ولا علة لشيء ، بل هو خالق المعلولات والعلل ، والملك القدوس الذي لم يزل ، وان العالم موجود باللّه تعالى ، لا بنفسه ولا لنفسه ، مقيد الوجود بوجود الحق في ذاته ، فلا يصح وجود العالم البتة إلّا بوجود الحق ، وإذا انتفى الزمان عن وجود الحق ، وعن وجود مبدأ العالم ، فقد وجد العالم في غير زمان ، فلا نقول من جهة ما هو الأمر عليه : إن اللّه موجود قبل العالم ، وإذ قد ثبت ان القبل من صيغ الزمان ، ولا زمان ، ولا ان العالم موجود بعد وجود الحق ، فإن الحق هو الذي
--> ( * ) يعني : هي محط نظره .